أزمة وقود الطائرات تضرب أوروبا.. التوترات الجيوسياسية تهدد الطيران والتحول الأخضر

تواجه صناعة الطيران في أوروبا واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخها الحديث، في ظل تداخل التوترات الجيوسياسية مع السياسات التجارية، ما يضع القطاع أمام تحديات مزدوجة تهدد استقرار التشغيل ومستقبل التحول نحو الطاقة النظيفة.
فمع تصاعد تداعيات الحرب في إيران، وتزايد اضطرابات سلاسل الإمداد، أصبح وقود الطائرات عنصرًا حاسمًا في معادلة التشغيل، ليس فقط من حيث التكلفة، ولكن أيضًا من حيث قدرة الشركات على الحفاظ على تنافسيتها والالتزام بأهداف خفض الانبعاثات.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن القطاع يواجه ضغوطًا متزايدة، خاصة مع قرارات المفوضية الأوروبية بفرض رسوم مكافحة الإغراق، والتي امتدت لتشمل واردات الوقود الحيوي المستخدم في الطيران، ما أثار مخاوف من تفاقم أزمة الإمدادات في الأشهر المقبلة.
وفي هذا السياق، حذرت كيانات كبرى، من بينها الاتحاد الدولي للنقل الجوي، إلى جانب شركات مثل ريان إير وبوينغ، من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى نقص في وقود الطائرات، وتعرقل تحقيق أهداف التحول إلى الوقود المستدام (SAF)، وهو ما يهدد خطط خفض الانبعاثات في القطاع.
وأكدت هذه الجهات في رسالة موجهة إلى المفوضية أن استمرار الرسوم الجمركية قد يقوض جهود إزالة الكربون، ويضعف القدرة التنافسية للطيران الأوروبي، ويخلق حالة من عدم اليقين في وقت يحتاج فيه القطاع إلى استقرار واستثمارات قوية.
من جانبها، أوضحت المفوضية الأوروبية أنها تتابع تنفيذ سياسات الوقود المستدام عن كثب، مع التأكيد على دعم الإنتاج المحلي، والاستعداد لاتخاذ إجراءات في حال وجود ممارسات تجارية غير عادلة تؤثر على السوق.
تكلفة الوقود تضغط على الشركات
بحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، يمثل وقود الطائرات ما بين 25% و30% من إجمالي تكاليف التشغيل، ما يجعل القطاع شديد الحساسية لأي تقلبات في الأسعار أو الإمدادات.
ويزداد الوضع تعقيدًا مع اعتماد أوروبا على سلاسل إمداد تمر عبر نقاط جيوسياسية حساسة، مثل مضيق هرمز وقناة السويس، ما يرفع من مخاطر التعطل المفاجئ وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
شركات بين المرونة والهشاشة
يرى خبراء أن بعض شركات الطيران الأوروبية أكثر عرضة للمخاطر، مثل شركات الخطوط الجوية الإسكندنافية والبرتغالية والفنلندية والإيطالية، نظرًا لاعتمادها السابق على خطط إعادة الهيكلة أو الدعم الحكومي.
في المقابل، تتمتع مجموعات كبرى مثل لوفتهانزا وريان إير بمرونة أكبر، بفضل احتياطيات سيولة قوية وقدرة أفضل على امتصاص الصدمات.
المملكة المتحدة في دائرة الخطر
تشير تقارير دولية، أبرزها ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز، إلى أن المملكة المتحدة تُعد من أكثر الأسواق الأوروبية عرضة لمخاطر نقص وقود الطائرات، نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الشرق الأوسط، خاصة من الكويت.
ومع توقف بعض الشحنات المارة عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار المنتجات المكررة بشكل ملحوظ، فيما تضاعفت أسعار وقود الطائرات بالجملة منذ بداية الأزمة، ما يهدد باضطرابات في الرحلات خلال موسم الصيف.
سيناريوهات مقلقة قبل موسم الصيف
رغم توافر إمدادات كافية خلال شهر أبريل، تتزايد المخاوف بشأن الأشهر التالية، خاصة مع احتمالات استمرار التوترات الجيوسياسية، وهو ما قد يدفع شركات الطيران إلى إعادة تقييم جداول رحلاتها، بل والتفكير في تقليص السعة أو إلغاء بعض الرحلات.
ويأتي ذلك في توقيت حرج مع اقتراب موسم الصيف، الذي يمثل ذروة النشاط السياحي في أوروبا، خاصة في وجهات مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا، ما يعني أن أي اضطراب في قطاع الطيران سينعكس مباشرة على قطاع السياحة.
تداعيات أوسع على الاقتصاد
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الطيران فقط، بل تمتد إلى قطاعات أخرى، وعلى رأسها السياحة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف السفر والإقامة والخدمات، ما قد يحد من الطلب ويؤثر على حركة السياحة العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أوروبا أمام اختبار صعب يتطلب تحقيق توازن دقيق بين تأمين إمدادات الطاقة، والحفاظ على زخم التحول الأخضر، دون الوقوع في فخ الأزمات قصيرة الأجل التي قد تعرقل مسار القطاع لسنوات قادمة.



